فما إن يتم رفع هيكل الجمجمة إلا وتنزف البنتان. لقد وجد الأطباء أن جلطات تكونت بعد العملية الأخيرة بأوردة عنق صفا لتحول دون
سريان الدم من المخ باتجاه القلب فينساب بدلا من ذلك لمروة ليرتفع ضغط دم
إحدى التوأمين بشكل خطير بينما يتدنى ضغط الأخرى بما لا يقل خطورة.
في تلك الأثناء يكافح أطباء التخدير للإبقاء على الحالة مستقرة.
ثم سرعان ما ينخفض نبض مروة بشدة حتى يتوجس الأطباء من أن تموت على طاولة العمليات.
يسود الصمت فجأة بالغرفة بينما تشخص الأعين إلى الشاشات ولا يُسمع إلا الصوت المتسارع لمنبه تتبع ضربات القلب.
بات واضحا للجراحين أن مروة هي التوأم الأضعف، فقرروا منحها وريدا مشتركا رئيسيا على أمل زيادة فرصها في النجاة.
إنه قرار صعب إذ يدرك جيلاني أنه قد يحمل تبعات خطيرة لصفا، وهي الأقوى حتى الآن.
ولكن الرأي يستقر على أنه القرار الصائب، وتستمر العملية لأكثر من 20 ساعة
تستنفد قوى جيلاني الذي يسلم الراية لجراح التجميل جولينغ أونغ لسد الجروح.
الآن أعلن جيلاني عن ارتياحه قائلا "كنا نعتقد إننا سنفقد مروة في مرحلة ما، لكن إذا استفاقتا ونأمل في ذلك، فستكون الأمور على ما
يرام".
لم يبرح الجراحون صالة العمليات قبل السادسة والنصف صباح اليوم التالي
يتصل جيلاني بعد الظهر بالمستشفى للاطمئنان، فيُبلّغ أن صفا في خطر إذ لا تتنفس طبيعيا وقد ظهر ما يشبه الطفح على جلدها.
يقول: "ظننت أن صفا ستموت!" متذكرا كيف انهار على أرضية مطبخه وأجهش بالبكاء مع إرهاقه وحرمانه من النوم.
"مسكينة زوجتي، لم ترني أبدا بهذا الشكل من قبل، ناولتني الهاتف لاتصل بديفيد".
"فقد استثمرت الكثير في هذه الحالة، وأشعر بالارهاق الجسدي في هذه المرحلة، فلم يتبق لي شيء من الطاقة وأصبح من الصعب السيطرة على العواطف".
عاد
الجراحان للعناية المركزة ليفحصا صور الأشعة المقطعية لصفا. وقع ما كانا يخشياه، أصيبت بسكتة دماغية في الجزء الذي أخذوا منه الوريد الرئيسي لمروة.
خلال اليومين التاليين بقيت صفا في حالة حرجة.
بينما لم تجد زينب وأخوها وجد البنتين إلا الدعاء بجوار البنتين.
أخيرا بدأت بوادر تحسن تطرأ على صفا. لم تعد البنتان بحاجة لجهاز التنفس الصناعي، فتنفس الجراحون الصعداء.
ولكن السكتة تركت ذراع صفا وساقها اليسرى واهنتين. أحس جيلاني بالذنب، وقال "الحدث الأعظم بالنسبة لي سيكون عندما تكون قادرة على المشي وعندما تستخدم
ذراعها الأيمن لأنني أعلم أنني سبب هذا الضعف".
ليس سهلا تحويل جزء تشريحي مجوف أنبوبي مشترك إلى رأسين طبيعيين مستديرين، إذ لا يتوفر ما يكفي من جلد وعظم لتغطية هامة رأسيهما
بعد الانفصال.
يناير/كانون الثاني 2019، قبل أسبوعين من الفصل النهائي. يجلس جراحا التجميل ديفيد داناواي وجولينغ أونغ إلى جانب
البنتين محاولين حل جانب من المشكلة، وهو الجلد اللازم لتغطية الرأسين عند
فصلهما.
قبل أسبوعين وضع الجراحان كيسين بلاستيكيين صغيرين تحت جلد الجبهة ومؤخرة الجمجمة المشتركة وبدت المنطقتين متورمتين بشكل غريب.
يشرح داناواي بالقول: "ثمة فتحة دقيقة متصلة بالكيسين لحقن سائل ملحي لنفخ الكيسين تدريجيا كالبالون لمط الجلد فوقهما" على أمل أن
يتوفر ما يكفي من جلد لتغطية هامتي البنتين بعد ستة أسابيع .
يحقن ديفيد داناواي كيسي الجلد بالمحلول المحلي، بينما الخطوة التالية للبنتين ستكون الانفصال. لأول مرة في حياتهما ستتمكن الواحدة من
رؤية الأخرى.
تم تقديم موعد الانفصال بأربعة أسابيع لتخفيف الحمل عن قلب مروة الذي يواجه صعوبات. نحن الآن في فبراير/شباط 2019 أي بعد مرور أربعة
أشهر من الجراحة الأولى.
هذا ما أوصلتنا إليها عدة أشهر من التخطيط والتحضيرات ، وقد تحمّلت البنتان 35 ساعة من العمليات الجراحية.
في
الساعات السبع المقبلة سيتم قطع ما تبقى من عظام وأنسجة مشتركة وفصل
المخين فصلا كاملا باستثناء قطعة من غشاء "الأم الصلبة" المحيط بالمخ الصلة الوحيدة المتبقية بين الرأسين.
وأخيرا، يقطع الإتصال تماما بين التوأمين. يقترب عدد من أفراد الطاقم الجراحي لرفع الجسدين الصغيرين برفق وإبعاد أحدهما عن الآخر. لم تعد
البنتان متصلتين.
يصف دوناواي تلك اللحظة بأنها "رائعة".
للمرة
الأولى في سنتين هي عمرهما لا يعتمد بقاء الواحدة من الأختين على الأخرى، ما ييسر على طاقم التخدير تنظيم ضربات القلب لكلتيهما وكذلك ضغط الدم
والإشارات الحيوية الأخرى.
ولكن الانفصال هو الفصل الأول
من جراحة اليوم، إذ يلزم أن يشكل الفريق رأسين مستديرين مما تبقى من الجمجمة الأنبوبية المشتركة بينما يأملون أن يكتسي الرأسان بالكامل بالجلد
الذي زرعوه.
يلزم الآن لكل من البنتين صالة عمليات خاصة بها. سيبقى نصف الطاقم الجراحي مع مروة تحت إمرة جيلاني وأونغ، بينما يقود
داناواي النصف الثاني بغرفة مقابِلة لترميم جمجمة صفا.
يستخدم غشاء بلاستيكي خاص لتغطية الجزء المكشوف أعلى رأسها ليتسنى نقلها بأمان.
ومع إعداد غرفتي العمليات للمرحلة الأخيرة، يتصافح الجراحان الرئيسيان ويتبادلان الابتسامة بأحد الأروقة خارج الغرفة.
يقول داناواي: "كانت لحظة مؤثرة جدا. لوقت طويل سعينا للوصول بالبنتين لهذه المرحلة وقد اجتازتا الكثير من العمليات بنجاح".
أما جيلاني فيعلق قائلا: "فصلنا التوأمين وعلينا الآن أن نرمم رأسيهما".
No comments:
Post a Comment